ابراهيم بن عمر البقاعي
185
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
عند ربهم حال كونهم لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ أي من العدو الذي خوفوه ولا غيره وَاتَّبَعُوا أي مع ذلك بطاعتهم لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بغاية جهدهم رِضْوانَ اللَّهِ أي الذي له الجلال والجمال فحازوا أعظم فضله وَاللَّهُ أي الذي لا كفوء له ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * أي في الدارين على من يرضيه ، فستنظرون فوق ما تؤملون ، فليبشر المجيب ويغتم ويحزن المتخلف ، ولعظم الأمر كرر الاسم الأعظم كثيرا . ولما جزاهم سبحانه على أمثال ذلك بما وقع لهم من فوزهم بالسلامة والغنيمة بفضل من حاز أوصاف الكمال وتنزه عن كل نقص بما له من رداء الكبرياء والجلال ، ورغبهم فيما لديه لتوليهم إياه ، أتبع ذلك بما يزيدهم بصيرة من أن المخوف لهم من كيده ضعيف وأمره هين خفيف واه سخيف وهو الشيطان ، وساق ذلك مساق التعليل لما قبله من حيازتهم للفضل وبعدهم عن السوء بأن وليهم اللّه وعدوهم الشيطان فقال التفاتا إليهم بزيادة في تنشيطهم أو تشجيعهم وتثبيتهم : إِنَّما ذلِكُمُ أي القائل الذي تقدم أنه الناس الشَّيْطانُ أي الطريد البعيد المحترق . ولما نسب القول إليه لأنه الذي زينه لهم حتى أشربته القلوب وامتلأت به الصدور ، كان كأنه قيل : فما ذا عساه يصنع ؟ فقال : يُخَوِّفُ أي يخوفكم أَوْلِياءَهُ لكنه أسقط المفعول الأول إشارة إلى أن تخويفه يؤول إلى خوف أوليائه ، لأن أولياء الرحمن إذا ثبتوا لأجله أنجز لهم ما وعدهم من النصرة على أولياء الشيطان ، وإلى أن من خاف من تخويفه وعمل بموجب خوفه ففيه ولاية له تصحح إضافته إليه قلت أو كثرت . ولما كان المعنى أنه يشوش بالخوف من أوليائه ، تسبب عنه النهي عن خوفهم فقال : فَلا تَخافُوهُمْ أي لأن وليهم الشيطان وَخافُونِ أي فلا تعصوا أمري ولا تتخلفوا أبدا عن رسولي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * أي مباعدين لأولياء الشيطان بوصف الإيمان . ولما مدح سبحانه وتعالى المسارعين في طاعته وطاعة رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم وختم ذلك بالنهي عن الخوف من أولياء الشيطان ، أعقبه بذم المسارعين في الكفر والنهي عن الحزن من أجلهم . ولما كان أكثر الناس - كالمنافقين الراجعين عن أحد ، ثم المقاتلين القائلين : هل لنا من الأمر من شيء - أرجفوا إلى أبي عامر وعبد اللّه بن أبيّ لأخذ الأمان من أبي سفيان ، ثم ركب عبد القيس أو نعيم بن مسعود ، ثم من استجاب من أهل المدينة